على عكس ما تعود السياح البحث عنه في الفنادق التونسية الحديثة من خدمات عصرية أبرزها الإنترنت، فإن زوار قصر "دار زغوان "، التقليدي يبحثون عن الغوص في أعماق التاريخ، بوسائل عيش بسيطة تجمع في تركيبتها بين الأصالة، والحداثة، بحيث تكون مزيجا، من عبق التراث، ونسائم العصر.

ويعد قصر"دار زغوان"، بمثابة فضاء سياحي حضاري، لا تستطيع عند زيارته، في كل مرة أن تنجو من الغرق، في متاهات التاريخ، حيث يستقبلك في مدخل القصر، صندوق البريد التقليدي، الذي صمد أمام تقلبات الطبيعة، ولم يبارح موقعه، لتشعر أن زمن الأصالة، والرسائل التقليدية، لم يرحل بعد.

صندوق بريد خطت عليه حروف لاتينية، تنسيك بعد رؤيتها، زمن الرسائل الإلكترونية، وتدخل عالم الأصالة، والحضارات المتعاقبة على أرض "زغوان" المحافظة التى تقع شمال شرقي البلاد، على بعد قرابة 50 كيلو مترا من العاصمة تونس.

"زغوان" مدينة تعاقبت عليها الحضارات الرومانية، والعثمانية، وحتى الأوروبية إبان "الاستعمار الفرنسي"، واتخذها الأندلسيون (إسبانيا حاليا)، موطنا لهم عند قدومهم تونس، بحسب المؤرخين.

أطلق عليها الرومان اسم "زيكا"، لارتباطها الوثيق، بجبل زغوان الذي يعد بمثابة القلب النابض بالحياة، حيث تنبع من عمقه عيون المياه الطبيعية العذبة.

وفي محافظة زغوان هناك جبل شامخ، يحاكي المدينة، ويحرسها، بحسب قول أهلها، يبلغ ارتفاع أعلى قممه "رأس القَصْعَة"، نحو 1295 مترا، ويعد ثاني أطول قمة في تونس بعد جبل "الشعانبي" بالقصرين.

مدينة زغوان، أو عروس الجبل كما يسميها أهلها، يحدها شمالا محافظتي منوبة، وبن عروس، وجنوبا سوسة، والقيروان، أما من الغرب فتحدها مدينتي باجة وسليانة.

التونسية "هنية" تحكي للأناضول عن زغوان قائلة "لم أبارحها منذ ولدت، هي منبع المياه لتونس منذ الحضارة القرطاجية، تشتهر مدينتي بزهرة النسري ورائحتها الشهيرة، وجبلها الأخضر متعدد القمم".

والنسري، زهرة بيضاء صغيرة، جلبها الأندلسيون معهم، إلى تونس، بعد سقوط الأندلس (عام 1492 ميلادية)، والنسري لا يمكنها العيش بعيدا عن "زغوان"، ومياهها التى لا تنضب، بحسب قول "هنية".

الأناضول تجولت داخل قصر "دار زغوان"، فوجدت في صدارة الدار غرفة أولى، خط على بابها "معصرة الزيتون"، وهي مجهزة بجميع لوازم العصر التقليدي للزيتون.

ويبدو قصر "دار زغوان"، الذي انطلق تشييده منذ 7 سنوات، على شكل منازل منفصلة، تشبه الأكواخ في ظاهرها، وفي داخلها متاحف تزخر بالتراث والأصالة، بعضها تم تشييده من الخشب، وبعضها الآخر من الحجارة، ومحاطة بالخضرة من جميع جوانبها.

بعد أن تتجاوز المدخل تجد نفسك وسط البهو الرئيسي للقصر، على يسارك مسبح يجمع بين الحداثة والتقليد، فهو مبني بشكل عصري، ومغلف ببلاط أزرق قديم، تجاوره بئر تمنح له ما يحتاج من الماء العذب.

في الجانب الأيمن من البهو الرئيسي تجد، جناحا مخصصا لنزلاء الدرجة الأولى أو ما يطلق عليه "جناح الباي"، أول ما يعترض عينيك عند دخولك الجناح صورة للباي التونسي محمد الهادي (من البايات الحسينيين الذين حكموا تونس، من 1902-1906).

وإلى جانب صورة "الباي" (لقب يطلق على حكام تونس طيلة فترة الحكم العثماني)، تتراءى لك خزانة من الخشب الأحمر، نصب عليها راديو، يعود صنعه إلى عشرينيات القرن الماضي، وهاتان التحفتان لا تختلفان في شيء، عن كل ذلك الأثاث الأنتيك (القديم الأصلي)، الذي يملأ الجناح، ويضفي عليه رونقا وجاذبية خاصة.

ويتكون السويت (الجناح)، من سرير "الباي"، بواجهة على شكل قوس مصنوعة من الذهب ولحاف حريري، مشيد كباقي الجناح من الحجر الأصفر المائل إلى الحمرة، كما توجد مدفئة تقليدية، من الممكن ملؤها بالحطب الخفيف، حتى لا يشعر الزائر بشتاء زغوان القارس.

في الجهة المقابلة للسرير، يوجد تلفاز عصري، يحده يمينا قارئ اسطوانات أنتيكا، ويجاوره في الجانب الأيسر، أبريق كبير صنع من النحاس الأصفر، وتتوسط الجناح غرفة استقبال، بعض أثاثها فرنسي، والآخر أرابيسك (نسبة للفن العربي، وهو عبارة عن نماذج للتزيين معقدة، لأن زخارفه متداخلة ومتقاطعة، وتمثل أشكالا هندسية وزهورا، وأوراقا، وثمارا).

كما يحتوي جناح الباي على مطبخ، وبيت استحمام، يضمان كل ما يحتاجه الزائر من أدوات زينة، وكذلك به كل الأدوات التي تحتاجها المرأة لقضاء شؤونها المنزلية.

وبحسب إسكندر الزريبي صاحب قصر "دار زغوان"، فإن أغلب النزلاء "يحبذون هذا الجناح لما يحمله من جاذبية، وسحر، وخيال، حيث يضم أثاثا يعود تاريخ اقتنائه إلى عصور مضت".

ويحاول إسكندر أن يستعيد الذكريات قائلا للأناضول "اشتريت أثاث القصر، حينما كنت شابا يافعا مغرما، بكل ما هو أنتيكا، وتراث، أكثر المجسمات النحاسية، والتحف الصغيرة، لم أقم بشرائها مرة واحدة، لكن اقتنيتها تدريجيا، وبدأت في توظيفها بعد تشييد الأجنحة، وكل قطعة من هذه القطع الأثرية تحكي قصتها".

وفي وصف عام للدار قال إسكندر "منذ سنوات كانت بمثابة مزرعة، تضم جميع أنواع الأشجار، والخضراوات، والغلال، لكنها كانت تفتقر إلى الجانب المعماري، أما الآن فتضم الدار حوالي 13 غرفة، كل واحدة منها تجسد حضارة، علاوة على أنها تحتوي على مطعمين ومصلى صغير".

وبخصوص الهندسة المعمارية للقصر، قال "حاولت استلهامها من مباني الحضارات السابقة، التي مرت بزغوان، حيث شيدت غرفا، على الطراز الأندلسي، والعثماني، والبربري، والقرطاجي".

أما عن الزوار الذين يستهويهم العيش في الدار فقال إسكندر "دار زغوان استقبلت عددا مهما من السواح، ورجال الأعمال، من جميع أنحاء العالم، وخصوصا الأتراك الذين أعجبوا بالقصر، ووعدوه بالعودة".

وأضاف "الدار توفر لنزلائها مختلف أنواع الأكلات التقليدية في تونس، لدينا محصول يومي من الزرع، والخضروات، والخبز التقليدي، والحيوانات التي تعيش في حديقة القصر، التي لا تخلو من أي نوع من أنواع الطيور".

الفندق يوفر جملة من الأنشطة الترفيهية لنزلائه، مثل القيام بجولات استكشافية للمغاور الموجودة بالجبل المحاذي للقصر، إضافة إلى تنظيم رحلات ترفيهية في المناطق الجبلية المجاورة.

وبحسب الزريبي، فإن القصر يمثل مورد رزق لحوالي 15 عائلة يشرفون كلهم على القيام، بالأنشطة اليومية، وتلبية متطلبات الدار، وهو ما شجعهم على البقاء، معتبرا ذلك من أهم المزايا التي تقدمها السياحة البيئية فى تونس.